محمد الجبر

6

البنى الأساسية في علم الأخلاق

أما الفلسفة الوضعية الحديثة تحدد صيغة المبدأ الأخلاقي كالأتي . « أن يعمل الإنسان ما استطاع لكي تتغلب غرائز المودة بين الناس على دوافع الأثرة ، ولكي تتغلب « النزعة الاجتماعية » على الشخصية الفردية » « 1 » ، وهذا في الواقع كذلك يعكس الوضع البراغماتي الغربي على سيادة المنحى التجاري السائدة في أوروبا القرن التاسع عشر في الحقيقة لا تستطيع أن تعتمد على المعايير والمقاييس السابقة من أجل الحكم على أي قضية أخلاقية معاصرة لأن طبيعة المشكلات وطبيعة الظروف الحضارية كلها - اقتصادية واجتماعية وسياسية - تختلف من مراحل تاريخية معينة لأخرى . إذا كانت المناهج السابقة تضع اهتمامها كله في إبراز السمات الخاصة بالجانب المثالي الغيبي من صورة أي معرفة ، ومنها المعرفة الأخلاقية عبر التاريخ ، وبمعنى آخر ؛ إذا كانت هذه المناهج تنظر إلى أي معرفة نظرة وحيدة الجانب ، فهل المنهج العلمي يضع اهتمامه كله في إبراز السمات الخاصة بالجانب الآخر ، والجانب المادي ، من صورة الأخلاق ؛ أي أنه يقع في ما تقع فيه المناهج السابقة من خطأ النظرة الوحيدة الجانب ؟ هذا السؤال إنما هو في الحقيقة مطروح ، لكن علينا أن نوضح الحقيقة بشأن المنهج في هذا البحث ، فأول ما نحدد به ، في مجال الإجابة عن السؤال ، أن المنهج يحمل صفة . . الموضوعية ؛ فإن كونه موضوعي أولا . . لأنه ينظر إلى المعارف نظرة موضوعية بعيدة عن التعصب الفكري ؛ والحقيقة أن الأشكال المثالية للفكر - كأشكاله المادية جميعها - نتاج هذا الواقع ، وما دام المنهج العقلاني للتاريخ يتحدد مضمونا واتجاها بكونه تفسيرا للتاريخ ، تاريخ المجتمع أو تاريخ الفكر ، على أساس كونه تاريخ النشاط المادي الاجتماعي للإنسان ، لا على أساس كونه تاريخ الوعي البشري فقط ، فإن من طبيعة هذا المنهج إذا أن يدرس أشكال الفكر المثالي على مستوى دراسته أشكال الفكر المادي ، من حيث هي نتاج الواقع المادي الاجتماعي في نهاية الأمر . وهناك تفرقة لا بد من توضيحها وهي النتاج المادي المباشر والنتاج الروحي . . .

--> ( 1 ) المرجع السابق ص 161 .